مكعّبات الصّداقة


ليست تلك مكعَّبات اللَّعب البلاستيكيَّة .. و لا مكعَّبات مرقة الدَّجاج .. الَّتي نحلِّلها بالماء مع بعض المأكولات ؛ فتعطيها نكهةً أفضل .. فإن فتحتم المغلَّف .. لن تجدوا في داخله شيئاً !!! لا تستغربوا .. إنَّها ليست مادَّةً فنحلِّلها .. و لا شيئاً نمسكه بكلتا يدينا فنقلِّبه أو نتأمَّله ..
كم مرَّت و تمرُّ علينا .. لحظاتٌ و أيامٌ و سنين .. و نحن نقضيها جالسين .. مدَّعين أمام النَّاس و أمام أنفسنا .. بأنَّنا لسنا يائسين .. لسنا متقاعسين .. عن البحث عمَّا يسمَّى أو يدعى // صداقة // … و حقيقة أمرنا .. هو أنَّنا في صميم أفكارنا و أهوائنا و عقولنا .. غير مؤمنين و لا مقتنعين .. بواقعيَّة وجود تلك الفكرة أو ذلك الشَّيء .. جميعنا ! .. أغلبنا !! ..
و لو دقَّقنا و نحن ننظر إلى أعمالنا و أقوالنا و أفكارنا .. لوجدنا أنَّ الاقتناع بوجود فكرة الصَّداقة .. لا يكون بمراقبة مصداقيَّة أفعال و أقوال النَّاس من حولنا .. إنَّما بدايةً .. يبدأ من دواخلنا .. فكيف يريد الواحد منَّا أن يكوِّن صداقةً مع أحدهم .. و هو أصلاً غير مقتنعٍ بالفكرة في داخله .. و المنطق يقول بأنَّ بداية الاقتناع بفكرة .. يكون بتطبيقها على الذَّات أوَّلاً ..
نعم .. الحياة فيها من الصِّعاب الكثير .. و هناك الكثير لنخسره إن لم ندقِّق و نشكِّك في كلِّ ما يدور حولنا .. و في كلِّ من هم حولنا .. لكن .. هل فكَّر أحدكم يوماً .. أن يشكِّك بنفسه .. بحقيقة و صدق ما في قلبه ؟ .. و عقله ! ؟ ..
للأسف .. كثيرٌ من النَّماذج البشريَّة الَّتي واجهتني و هي تبحث عن الصَّداقة .. أو عن طريقٍ يوصل إليها .. كانت غافلةً تماماً .. عمَّا يدور في أفئدتها تجاه تلك الفكرة .. عن كيفيَّة رؤيتهم لمن يحملها ..
الصَّداقة .. بحرٌ من القيم و الأخلاق .. إن نظرنا إلى مثلها الأعلى .. و مهما كانت في زماننا هذا غير مكتملة المثل .. تبقى بأصغر أشكال تواجدها .. مثلاً .. لأهل زمانها .. إنَّنا نبحث عمَّن يَسمعنا بقلبٍ كبيرٍ و دون استهزاء .. و يَصْدُقُنا قوله .. و يحمل معنا همومنا .. و لا يطعننا من الخلف .. هذا إن لم يقف إلى جانبنا .. و يواسينا .. و يشدُّ همَّتنا .. يضحك معنا ؛ ليس علينا .. يفرح لفرحنا .. و يسحبنا من دائرة الحزن إن أحاطت بنا .. يحبُّنا .. و إن لم يفعل فلا يكرهنا .. يتغاضى عن كلِّ أخطائنا بحقِّه .. و يبدي أشدَّ الأسف و النَّدم على ما قد يبدر منه خطأً دون قصدٍ تجاهنا .. يبقى حبُّنا في قلبه مهما اختلفنا مع بعضنا .. لأنَّ اختلافه معنابالتَّأكيد كان لمصلحتنا .. فلا يبدي تجاه أيِّ اختلاف .. أيَّ حقدٍ أو جفاء .. و هناك الكثير لنقوله عمَّن يحمل تلك الفكرة في قلبه و عقله .. عمَّن نرى كلَّ ذلك في تصرُّفاته و تعاملاته .. مع الجميع .. ليس معي أنا فقط ..
هل منكم من يفعل ذلك ؟ ! .. هل منكم من يحاول ذلك ! ؟ ..
أبدأ بمن لا يؤمن و لا يحمل شيئاً من ذلك كلِّه .. هل تتوقَّع وجود شخصٍ بهذه المواصفات و أنت في داخلك .. لا تعمل بها و لا حتَّى مجرَّد اعتقاد ؟ .. كيف تطلب من أحدهم صدقاً ؟ .. و أنت أوَّل الكاذبين ! .. كيف تسأل إنساناً حبَّه ؟ .. و أنت أوَّل الكارهين ! .. كيف تحمل في نفسك حقداً أو طمعاً ؟ .. ثمَّ تبحث عمَّن يصفح عنك أو يتنازل لك عمَّا يملك ! .. كيف و كيف و كيف ؟؟؟ .. هل أنت لصّ !!! ؟ ..
إنَّك بذلك .. فعلاً .. و برأيك .. تبحث عن غبيّ .. لا يرى و لا يفكِّر .. ربَّما قلت ذلك بصوتٍ مسموع .. و ربَّما ضمناً في نفسك .. ( الغبي ) هي صورة ذلك الصَّديق عند البعض في أيامنا هذه …
أمَّا من كان يقول بوجود .. أو وجوب وجود من يحمل ذلك كلَّه و بصدقٍ من داخله .. فليعلم .. أنَّه بدأ يجد ضالَّته .. إن لم يكن في من هم حوله .. ففي نفسه .. فقد قال قائلٌ ذات مرَّة // إن لم تجد صديقاً مخلصاً .. فكن أنت ذلك الصَّديق // و ستجد من يبادلك ذلك .. ستجد من هو مثلك .. يبحث .. ليراك .. ليعرفك .. مهما كان بعيداً عنك .. فالطُّيور على أشكالها تقع ..
إليكم الآن .. طريقة الاستخدام ….
قف أمام المرآة .. افتح غلاف مكعَّبات الصَّداقة .. و أثناء ذلك .. كرِّر مع نفسك .. بلسانك و قلبك .. سبع مرَّات .. دون أن تلتفت خوفاً من أن يسمعك أحد .. قلها بثقةٍ و أنت تنظر في المرآة إلى عينيك // إن لم أجد صديقاً مخلصاً .. فأنا هو ذلك الصَّديق // سبع مرَّات .. و ستراه بقربك .. حالما تنتهي من المرَّة السَّابعة .. فربَّما يكون أخاً لك من أمِّك و أبيك .. و ربَّما يكون جاراً .. و ربَّما .. و ربَّما و ربَّما …….. ربَّما تكون حقّاً أنت .. و مع جرعتين من الصَّبر .. جرعةٌ قبل فتح غلاف المكعّبات ، و الثَّانية بمجرَّد انتهائك من تكرار العبارة … ذلك أنَّ البعض قد ينظر من حوله غير مدركٍ لما يجري .. و لا بدَّ حينها من الصَّبر …
و في النِّهاية .. أنتم وحدكم .. من يمكنه إيجاد تلك السِّلعة في دكَّاني الصَّغير .. فهي أساساً داخل قلب كلِّ فردٍ منكم .. و ما أنا إلاَّ بائعٌ مذكِّر ..

Advertisements

3 thoughts on “مكعّبات الصّداقة

  1. كتييييييييييييييييييييييييييييير حلوة وانا معك بكل كلمة قلتها واكتر مقطع حبيتو (و لو دقَّقنا و نحن ننظر إلى أعمالنا و أقوالنا و أفكارنا .. لوجدنا أنَّ الاقتناع بوجود فكرة الصَّداقة .. لا يكون بمراقبة مصداقيَّة أفعال و أقوال النَّاس من حولنا .. إنَّما بدايةً .. يبدأ من دواخلنا .. فكيف يريد الواحد منَّا أن يكوِّن صداقةً مع أحدهم .. و هو أصلاً غير مقتنعٍ بالفكرة في داخله .. و المنطق يقول بأنَّ بداية الاقتناع بفكرة .. يكون بتطبيقها على الذَّات أوَّلاً ..
    نعم .. الحياة فيها من الصِّعاب الكثير .. و هناك الكثير لنخسره إن لم ندقِّق و نشكِّك في كلِّ ما يدور حولنا .. و في كلِّ من هم حولنا .. لكن .. هل فكَّر أحدكم يوماً .. أن يشكِّك بنفسه .. بحقيقة و صدق ما في قلبه ؟ .. و عقله ! ؟)
    لأنو بكل حياتنا تعودنا ننقد الحوالينا ونحكم عالناس بالمصداقية ووقت حدا ببلش ينقدنا ويحكم علينا منقلو لا طول بالك منو انت لتحكم علي مو بس هيك وبصير بدنا نغيرن كمان بس الحقيقة التغير ببلش وقت منغير حالنا من جوا
    وعنجد الشي المميز بكتاباتك انها بتحكي عن واقعنا ومن مواقف حياتنا وهادا الشي يلي خلاني تابع كل كتاباتك و احتفظ فين و بانتظار كلشي جديد منك
    😉

  2. ABD ELWAHAB SHAMSI كتب:

    القارئة المميزة و العزيزة … لقد أسعدني وصول صدى الفكرة إلى قلبك و عقلك بهذا الشكل …
    و أسعدني أكثر … رأيك و رؤيتك في كلماتي … بأنها واقعية … فقد رفعتي منسوب الأمل داخل قلبي .. في من يقرأ من شبابنا و شاباتنا .. بعد صراع مرير مع القائلين بخيالية تلك الكلمات و رومانسيتها المفرطة … أشكرك .. لكن ……
    لم أعرف رأيك في المقالتين السابقتين (( هل تسويق الفكرة ضروري – من شباك دكاني )) … أم أن عدم تعليقك كان يعني عدم إعجابك أو عدم رؤيتك ما يستحق التعليق … أرجو طرح رأيك النقدي كيفما كان …. و سأكون سعيداً بكل نقدك و توجيهك لي (( كقارئة مميزة )) ….
    حقاً أحسنت …. و أكرر شكري لك

  3. الصديق هو مرآتك .. بدرجة نقاء هذه المرآة تكون درجة الصداقة كصلابة جذور الشجرة في الأرض
    حاول أن تفهم الآخرين قبل أن يفهموك .. كن مرشداً قبل أن تكون حكماً .. كن قدوة قبل أن تكون ناقداً
    تمتع بصفات ذلك الصديق الذي تبحث عنه … فإن استطعت أن تتحلى تلك الصفات .. إن استطعت أن تخدم وتحترم وتضحي وتساند .. أعتقد أنك ستجد ذلك الصديق الذي تتمناه .. وليس من تبحث عنه
    الصداقة .. كلمة فوق كل الكلمات .. معنى فوق كل المعاني ..
    قد نتمناها .. نحلم بها .. نفتقدها .. لكن لا نستطيع البحث عنها
    لتكون الصداقة .. اجعل زادها الحب .. اعطِ ولا تنتظر أن تأخذ .. مثل الشمس تظلنا بنورها ودفئها .. تمنحنا الطاقة .. لتستمر الحياة

    رائعة من روائع كتاباتك .. تحمل بين سطورها معانٍ من صميم واقعنا .. تبنّاها إحساسك .. وأجاد بها قلمك الراقي …
    سلمت يداك يا مبدع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s