عن بعض دواعي الإحباط


و لا أريد أن يفهم أحدٌ من العنوان .. أنَّ هناك داعياً واحداً لذلك .. فما أعنيه .. هو ما قد يجول في الغرف المظلمة لقلب أو عقل أحدٍ منَّا .. حين نُصاب ..

و في حياتنا الكثير .. ممَّا يوصلنا إلى تلك المرحلة // التِّجوال في غرفٍ و أروقةٍ مظلمة // أينما وجدت .. مع أنَّنا عادةً و كثيراً ؛ ما نبتعد عن الظُّلمة فعلاً أينما وجدت .. عندما نكون بكامل وعينا و إرادتنا ..

و لكي نعرف شيئاً عن تلك الدَّوافع الطَّارئة .. يمكننا بدايةً .. أن نقول بأنَّ ذلك ما هو إلاَّ نوعٌ من الضَّياع و التَّوهان .. كان نتيجة الفشل مرَّةً أو مرَّات .. أو نتيجة الاختلاف مع من يهمُّنا أن لا نختلف معهم // حبيبٌ أو صديقٌ .. أو ربُّ عمل // …

و بالتَّالي هو يأسٌ من إمكانيَّة إعادة المحاولة فيما فشلنا به سابقاً .. أو يأسٌ من عودة العلاقة إلى سابق عهدها مع من اختلفنا معهم ..

و قد تكون تلك حالةً .. تصيب أيَّ فردٍ منَّا من وقتٍ لآخر .. عندما يكون الطَّريق طويلاً أو شاقّاً .. أو كلاهما معاً ..

و لكلِّ موقفٍ منها حلٌّ مختلف .. مع وجود حلٍّ عامٍّ لها جميعاً ..

آااهٍ لو تدرون كم من المرَّات أصبت بالإحباط .. و آهٍ لو تعلمون كم بحثت عمَّن يقف إلى جانبي في تلك الأوقات .. إنَّ لحظاتٍ من اليأس .. قد تكون قصيرةً جدّاً .. لكنَّنا كثيراً ما نشعر أنَّها أطول و أقسى من سنواتٍ من الألم .. و حقيقةً .. فإنِّي لم أجد أحداً يقف إلى جانبي أفضل من وقوفي مع ذاتي .. مع نفسي .. مع احترامي الشَّديد لكلِّ الصُّحبة و الأحبَّة الَّذين حاولوا الوقوف إلى جانبي في أحيان كثيرة .. لكنَّنا أحياناً .. نرغب بالتَّقوقع على ذواتنا في بعض مواقف الحياة الكثيرة .. رغم زحمة الأصدقاء و المحبِّين من حولنا ..

و سأروي لكم قصَّةً عن شيءٍ مشابهٍ لما أخبرتكم عنه .. فافتحوا عقولكم و قلوبكم .. و انتبهوا إلى كلِّ موقفٍ في القصَّة .. علَّكم تحصلون على فائدةٍ منها ..

مرَّت سنواتٌ طويلةٌ على أهل تلك البلاد .. و هم يعيشون بأمنٍ و سلام .. كانت مملكتهم صغيرةً لكنَّها عامرةٌ بالخيرات .. لم يكن فيها فقيرٌ أو مسكين .. فالجميع أهل .. و ذات يوم .. وصل رسول إحدى الممالك المجاورة .. كان يحمل رسالة تحذيرٍ و تهديدٍ للملك و مملكته بكلِّ من فيها // أن يتنازلوا عن نصف ما يجنونه من زراعةٍ و تجارةٍ و صناعةٍ تقوم في البلاد .. و سيتمُّ إرسال مراقبٍ يضبط الجباية من الجميع .. و إلاَّ ……… // … و عمَّ الخبر أرجاء البلاد …

بدا على وجوه الجميع .. شيءٌ لم يبدُ من قبل .. و انقسم النَّاس إلى رأيين أساسيَّين .. أحدهما هو أن لا قِبَلَ لمملكتهم بإعلان حربٍ دفاعيَّة و بالتَّالي .. ليس أمامهم سوى الرُّضوخ لمطالب المملكة المجاورة الجائرة .. و الثَّاني كان يحضُّ على عدم الإذعان لمن سمَّاهم الشَّارع بالمرتزقة المتغطرسين .. و قرَّروا أن يضعوا أرواحهم و كلَّ ما يجنون و يربحون في نصرة الملك و المملكة ضدَّ المعتدين .. و تجمَّع النَّاس أمام شرفة الملك ..

كان الملك محتاراً ؛ بين الرَّأيين .. و قبل أن يخرج إلى شعبه جمع مستشاريه و وزراءه .. و سألهم عمَّا يجب اتِّخاذه من قراراتٍ ترضي رؤى شعبه بمملكتهم و في نفس الوقت تبعد عنهم أذى العدوان و التَّسلُّط الطارئ عليهم من الجار اللَّئيم .. و بدت على وجهه علامات اليأس و الإحباط .. فإمَّا الذُّلُّ و المهانة و الاستسلام للعدوّ .. وسيرافقها سقوط صورة نظامه في عيون شعبه .. و إمَّا قرارٌ بالرَّفض و الثَّبات على الحقّ .. و سيرافقه سقوط أرواحٍ كثيرةٍ بريئةٍ من أبناء شعبه ..

بالله عليكم .. لو وضع كلُّ شخصٍ منكم نفسه مكان ذلك الملك .. ما الشُّعور الَّذي سينتابكم حينها ؟؟؟ .. ما القرار الَّذي ستتَّخذونه يومها ؟؟؟!!! ..

بالتَّأكيد .. كلُّ من سيجيب نفسه أثناء القراءة الآن .. هم أحد شخصيَّتين .. الأولى سترى الأمر من موقعها على الكرسيِّ الجالسة عليه أمام الكمبيوتر .. و أصحاب هذه الشَّخصيَّة كثيرون .. أمَّا الثَّانية فستنظر للأمر من موقعٍ آخر .. من مكان أبعد من مكانها الحاليِّ .. فلا أسهل من قول // لا // .. و لا أسهل أيضاً من قول // نعم // .. و في كلتا الحالتين .. هنالك عواقب وخيمة .. و جميع السُّكَّان سيرون في قرار الملك نقصاً و عيباً .. فبالتَّأكيد نحن لن نتَّفق على رأيٍ واحد .. و إن اتَّفقنا .. فسنختلف على طريقة التَّطبيق .. لكنَّ المهمَّ في هذه القصَّة هو أن نركِّز على الإحباط في مسألةٍ فعلاً قد تدعو للإحباط و اليأس .. فعلاً ..

و خرج الملك إلى شعبه .. سكت الجميع و في حلوقهم غصَّة .. و في قلوبهم خوفٌ .. و على كواهلهم حجرٌ كبير .. أغمض الملك عينيه مخفياً دمعة .. و فتحهما مظهراً لمعة .. و صرخ قائلاً

// من معي على الحقّ //

و لم تكن لكنة سؤاله معبِّرةً عن تساؤلٍ مطروح .. إنَّما كانت كقرارٍ تمَّ اتِّخاذه للتَّطبيق فوراً ..

و استغرق ردُّ الشَّعب برهةً حتَّى صاح الجميع ممَّن كان مؤيِّداً أو معارضاً .. و بسعادةٍ و قوَّة // أنا // صوتاً واحداً و لم تكن لتميِّز صوتاً عن آخر لو كنت تنصت أو تسمع ..

ثمَّ أعادوها بكلمةٍ أجمل // كلُّنا // .. // كلُّنا معك // .. كانت كلمةً تبدو كأنَّها خرجت بدون تفكير .. لكنَّها حقيقةً .. كلمةٌ كانت مختزنةً في مكانٍ ما .. داخل قلب كلِّ فرد منهم .. لا يكن أحدٌ يعلم مكانها .. ذلك هو وجدان الأمَّة العزيزة ..

يا إخوتي .. الإحباط بحاجةٍ إلى قرارٍ سريع .. إلى كلمةٍ قويَّة .. الإحباط يحتاج إلى دمعةٍ نقتلها و صوتٍ يكذِّبه // لا .. لا لن أقبل .. لن أقبل أن أقف أو أجلس منزوياً // …. بسرعةٍ و قوَّة .. فليس ذاك موقف التَّفكير .. أفي كلِّ حياتنا نقوم بخطواتٍ عمياء عشوائيَّة .. و عندما نصل للإحباط // نقف لنفكِّر // !!! ؟ ..

لن أحكي لكم قصَّة النَّملة المواظبة .. و لن أذكِّركم بكثيرين عبر التَّاريخ ممَّن واجهوا (( الفشل حتَّى اليأس )) بالمحاولة من جديد .. و لن أخبركم بأنَّ المحبَّة و الصِّدق و الإخلاص سيوفِّران فرصةً جديدةً لإعادة العلاقة بينكم و بين من اختلفتم معهم .. لكن فقط .. أتمنَّى أنَّه في حال شعرتم أنَّكم عرضةٌ لشيءٍ من الإحباط .. فقط تذكَّروا إن فكَّرتم // أن لا تفكِّروا // في تلك اللَّحظة بالذَّات .. بسرعةٍ جفِّفوا دمعكم .. إن دمعت عيونكم .. و أعيدوا الكرَّة من جديد .. فلا شيء آخر يفيد .. و من يختلف معي في رأي .. سأتَّفق معه في آخر .. و لن تنتهي الحياة عند نقطةٍ أو موقفٍ عارض ..

هل الحياة عبث .. هل ما يدور فيها من أحداث .. مجرَّد صدفٍ و عبثٍ من اللاَّشيء .. فجميعنا // مؤمنين بدينٍ معيَّن أو غير مؤمنين // نعلم في داخلنا بأنَّ الحياة ليست عبثيَّة .. و أنَّ ما نفعله اليوم لا بدَّ يوماً أن يعود علينا بشيء .. و الإحباط ؛ شيءٌ ممَّا قد يعود علينا .. لكنَّ أيَّ عائدٍ لا و لن يوقفنا عنده .. حتَّى و لو كان نجاحاً .. فكيف به لو كان مجرَّد يأسٍ .. أو إحباطاً غالباً ما يكون مجرَّد ..

و تذكَّروا .. أنَّكم أنتم .. وحدكم .. من يحمل الإرادة و القدرة على اتِّخاذ ذلك القرار السَّريع .. و ما أنا إلاَّ بائعٌ مذكِّر .

Advertisements

2 thoughts on “عن بعض دواعي الإحباط

  1. أشكرك على كلماتك المشجعة .. ولكن .. باعتقادي أن الاحباط الذي أصابنا جراء ما أصاب بلدنا يحتاج إلى الكثير من القوة والإرادة والرحمة الإلهية .. لنستطيع التغلب عليه والخروج منه
    ربما يعتبرني البعض امتلك جرعة زائدة من الاحباط .. ولكن تتالي الاحباطات تفقدنا القدرة على التركيز .. والقدرة على النهوض من جديد …
    أعتذر عن كلماتي المحبطة جدا .. وأتمنى أن تشرق شمس الأمل من جديد في قلوبنا
    وأكرر إعجابي بمقالك الرائع .. وننتظر إبداعاتك باستمرار

    • ABD ELWAHAB SHAMSI كتب:

      قبل أي كلمة .. أحب أن يعلم كل من يقرأ تلك الكلمات ؛ بأنني قد كتبتها في العاشر من أيار 2010
      أتمنى أن نربط الأفكار في صفحة ((خواطر إبداعية)) ببعضها .. كي نملك في فكرنا كل الأدوات و الضوابط اللازمة لإحياء القلوب و توعية العقول و إنعاش النفوس …
      و لكي نحصل على الرحمة الإلهية ؛ علينا أن نمتلك الإرادة ؛ و لكي نمتلك الإرادة ؛ علينا استجماع قوانا … و القوة لا تأتي إلا لمن خاض بفطرته في الحياة ببساطتها و فطرتها الأخلاقية … حينها …..
      لن تقف قوة أخرى في وجهنا .. لأن القوة و العزة لله جميعاً .. و ما خاب من اعتصم بالله …
      المشكلة تكمن في أن نقبل أو نرفض في داخلنا … فقط أن نقبل قبولاً نابعاً من القلب .. بصدق .. و نستقيم على هذا القبول بإخلاص ….
      الإحباط … يأس و قنوط من وجود الإله إلى جانبنا … قد لا نعترف بذلك صراحة … لكنها الحقيقة المدفونة في اللاوعي داخل سراديب قلوبنا المظلمة … و كي تنيروا تلك السراديب … هناك طريقة وحيدة …
      اسألوا أنفسكم الآن في رمضان … هل هناك من يعرف حقيقة صومكم أو فطركم غير ذاتكم ؟! …… لماذا ؟
      ما الذي يدفعكم للصبر عن الطعام و الشراب في هذا الوقت الطويل الحار و الخانق …. ألا تصابون بالإحباط و برغبة في الانهيار أمام كأس ماء ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s